Type a message Skip to main content

رسالة من مدير المتحف

لقد كانت الأسابيع الماضية التي عشناها أشبه باختبار لتحديد مدى مرونتنا وقدرتنا على التأقلم مع الظروف المتغيّرة، وهي تشكل من دون أدنى شك واحدة من أصعب التحديات التي واجهتها في حياتي على الصعيدين الشخصي والمهني على حد سواء. ففيما أغلق متحف اللوفر أبوظبي أبوابه أمام الزوار الشهر الماضي، كغيره من المؤسسات الثقافية من حول العالم، شعرتُ بالقلق من المرحلة المقبلة التي سنواجهها، إلا أنني لمست أيضاً شعوراً بالوحدة والتضامن تخطى الحدود كافة، لنواجه هذه الأوقات الصعبة معاً.

لذا حرصتُ على التمسك بهذا الشعور الذي يوحدنا، وهو في صميم رسالة متحف اللوفر أبوظبي التي تقوم على التواصل ما بين الشعوب وعلى تسليط الضوء على أوجه الشبه التي تجمعنا. فالأعمال الفنية والفنانون والأفكار والحركات الثقافية، كلها عوامل ساهمت في تواصل الشعوب مع بعضها البعض، لتبرهن أن أوجه الشبه بيننا تتخطى التوقعات. ولا بد لي هنا من أن أتوجه بجزيل الشكر إلى شركائنا في الإمارات العربية المتحدة وفي المنطقة وفي فرنسا، بمن فيهم متحف اللوفر في باريس، والذين ساعدوا لنروي لقاء الثقافات عبر عرض أعمالهم إلى جانب مجموعة اللوفر أبوظبي الفنية في قاعات العرض كما في المعارض العالمية. وأنا اليوم مؤمن بهذه الرسالة وبأهميتها، أكثر من أي وقت مضى.

كما أنني مؤمن بأن الفن والثقافة يلعبان دوراً جوهرياً في تخطي هذه المرحلة الصعبة. وهذا ما حصل بالفعل حين ضاعفت المؤسسات الثقافية جهودها لتضع الفن بين أيدينا ونحن في منازلنا مع عائلاتنا. فقد أطلقت المتاحف حملات ضخمة على مواقع التواصل الاجتماعي، ترتكز من خلالها على الأعمال الفنية الخاصة لتضفي على حياتنا اليومية لمسة من الإلهام والأمل والراحة. كما أطلقت المعارض الفنية قاعات عرض افتراضية، وبدأ الفنانون يعملون على مشاريع رقمية خاصة، والموسيقيون يحيون حفلات على الهواء مباشرة من غرف جلوسهم، والمعلمون يعطون حصص الفنون عبر الإنترنت، إلى جانب العديد من النشاطات الفنية والثقافية الأخرى التي برزت في الأسابيع الماضية.

لقد أثبتت هذه الحركة الاستثنائية أن الفن والإبداع هما الأكثر مرونة ومطواعية في الأزمات. فحتى عند مواجهة تحديات ومخاوف لم نعش مثلها من قبل في هذا القرن، لا بد للعرض أن يستمر، وسيستمر.

ففي خضمّ هذه الأزمة التي نعيشها، يبقى الفن الملاذ الوحيد بالنسبة إلينا لننعم بالسلام. ويستحضرني هذا قول النحّاتة الفرنسية- الأمريكية الشهيرة لويز بورجوا: "في الفن قدرة على الإصلاح، فهو يصلح الضرر الذي يلحق بحياتنا، ويعيد تجميع أجزائها التي فككها الخوف والقلق."

للفن قدرة على الشفاء... وهو فرصة للانطلاق في رحلة في الخيال وبث السكينة في النفس. ونحن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى إيجاد سُبل للتخفيف من حدّة التوتر الذي نعيشه.

إلى جانب ذلك، تتيح لنا هذه الأوقات الصعبة رؤية الفن من منظور آخر مختلف كلياً. ففيما نبحث عن مصدر للإلهام لينير حياتنا في الوقت الراهن، نجد العالم الرقمي يحفز فضولنا وحبنا للاكتشاف والتعلّم ويعزز من التبادل الثقافي بيننا. وهذه الظروف التي نمر بها تذكرني بمفهوم الوقت في الحضارة اليونانية القديمة المعروف باسم "كايروس"، الذي يقوم على مبدأ اللحظة المناسبة أو الحاسمة. فعلى الرغم من عدم قدرتنا على زيارة المؤسسات الثقافية، لا يزال بمقدورنا اغتنام هذه الفرصة لنجد الشفاء في الفن، ولنخوض تجربة فنية وثقافية خاصة بنا.

لذا، فيما يُغلق المتحف أبوابه مؤقتاً، نسعى إلى إدخال نفحة الجمال والسلام هذه إلى حياتكم من خلال العديد من المبادرات لنبقى على تواصل معكم، وهي تشمل أدوات تتيح لكم اكتشاف قاعات عرضنا ومعارضنا العالمية، فضلاً عن موارد تعليمية للمعلمين وأخرى مخصصة للتعليم الإلكتروني للعائلات، وتتيح للجمهور الاطلاع على منشورات المتحف وغيرها من الموارد. فما عليكم سوى زيارة موقعنا الإلكتروني لاكتشاف هذه المبادرات والبقاء على اطلاع على الموارد التي سنقدمها لكم في الأيام والأسابيع المقبلة.

كما نفخر بأن اللوفر أبوظبي يشاركك في مبادرة "الثقافة للجميع" التي أطلقتها دائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي بقيادة رئيس الدائرة معالي محمد خليفة المبارك. وتهدف هذه المبادرة إلى إتاحة المعالم الثقافية في الإمارة إلى الجمهور للاستمتاع بها من البيت. للاطلاع على هذه المبادرة تفضلوا بمتابعة @abudhabiculture و #الثقافة_للجميع، وانتظروا المزيد من مبادرات المتحف قريباً.

فاللوفر أبوظبي متحف للجميع وبمتناول الجميع، هو متحفنا ومتحفكم. ونحن نعمل بجهد لإتاحة مجموعتنا الفنية ونشاطاتنا لكم. لذا نأمل أن نتمكّن، من خلال التكنولوجيا والقصص التي نرويها، من مواجهة هذا التناقض حتى نكون على تواصل أكثر من أي وقت مضى.

في النهاية، أود أن أتمنى لكم ولعائلاتكم الصحة والأمان في هذه الأوقات الصعبة، وأنا كلي يقين بأننا سنكون أقوى من ذي قبل عند تخطي هذه الأوقات الصعبة، وسنكون أكثر وحدة والتزاماً بقوة الفن ورسالته.

مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة،
مانويل راباتيه

Mobile View None For an optimal experience please
rotate your device to portrait mode